Pages

May 20, 2023

!... أنه القانون يا سادة

 


صورة تعبيرية من موقع بيكسابي


أنيس الباشا


 

دائما حين أتجول في شوارع أي مدينة ألمانية تستوقني دائما بعض المشاهدات التي ربما تمر على أهل البلد مر الكرام لكن وقعها مختلف علي أنا القادم من بلد أخر وثقافة مختلفة تماما. فمثلا يسترعي انتباهي أن جميع المحلات التجارية والبنوك ومراكز التسوق حين ينتهي الدوام فيها تُغلق بأبواب زجاجية فقط ويستطيع من يمر جوارها أن يشاهد كل شيء بالداخل، ومع ذلك نادرا ما تحصل حوادث سطو أو نقرأ عن محاولة اقتحام أو كسر لتلك الحواجز الزجاجية، وطوال السنوات التي عشتها هنا لم أسمع أو اقرأ عن حادثة سطو واحدة في المدينة التي أعيش فيها.

هناك أيضا منظر يستحق الوقوف عنده وهو عندما يرغب المرء في تزويد مركبته بالوقود فيتوقف في أي محطة للوقود ويقوم بملء خزان السيارة بنفسه ثم يتوجه إلى المحل الملحق بمحطة الوقود وهناك يُعلم الموظف أو الموظفة برقم الخزان الذي استخدمه ومن ثم يقوم بدفع المبلغ المطلوب! هكذا وبدون أن يكون هناك أي حراسة أو موظف يراقب أو يشرف على العملية، أما من يفكر في تعبئة الخزان ومن ثم المغادرة بدون الدفع فكل ما على إدارة المحطة فعله هو الرجوع إلى كاميرات المراقبة وإبلاغ رقم السيارة إلى الشرطة التي ستقوم بعملها وتفرض على الهارب الدفع مع الزامه بغرامة أيضا!

من المشاهد الأخرى التي تستوقفني هي حين أرى نساء وفتيات يتجولن في أوقات متأخرة في أحياء وشوارع المدن، البعض منهن يركب الدراجات الهوائية او يسير على قدميه في أمان وسلام. أما في أوقات الحر فتخرج المرأة هنا مرتدية ما تشاء من لباس يُظهر أكثر مما يستر، أما الشواطئ فحدث ولا حرج، ومع ذلك فحوادث التحرش تكاد تكون معدومة، والمرأة تخرج وتسير وتلبس وتمارس حياتها بحرية وأمان.

أبضا فيما يتعلق بقواعد المرور، لاحظت أن غالبية الناس تلتزم بهذه القواعد ولا تخرقها في العادة.

هل نحن نتكلم عن المدينة الفاضلة؟ قطعا لا، فهناك بالتأكيد مجرمون وأوغاد و مخالفون للقانون والقواعد في كل المجتمعات الإنسانية ولا توجد على الأرض مدينة تقطنها الملائكة، والواقعة الشهيرة التي حدثت في مدينة نيويورك الأمريكية في سبعينات القرن الماضي معروفة حين انقطع التيار الكهربائي لخمس وعشرين ساعة فقط حصلت خلالها حوادث نهب وتخريب لا تصدق!

إذن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما الذي يجعل بعض المجتمعات في الظروف العادية أكثر أمانا والبعض الآخر لا؟

قد يجادل البعض ـ خصوصا من ينتمي للثقافة الشرقية العربية ـ بأن الإجابة هي في "الدين"! الدين والتدين هما مقياس الأخلاق وصمام الأمان للمجتمعات، وهي إجابة غير صحيحة طبعا ولا تحتاج لشرح أو اقناع إذ تكفي نظرة واحدة ومقارنة بسيطة بين المجتمعات المتدينة او التي تدعي التدين وبين المجتمعات الأخرى التي أتحدث عنها والتي يوجد فيها أمن وأمان وصيانة لحقوق وكرامة الناس لنعرف الفرق، ممارسة الشعائر الدينية قد تمنح صاحبها الراحة النفسية أو الأمان، لكن الدين ليس هو مصدر الأمن والأمان فيما يتعلق بالتعاملات والتفاعلات بين أفراد المجتمعات.

إن العامل الذي يوفر لأفراد المجتمع بكل أشكالهم واختلافاتهم الأمن والأمان هو القانون وسيادة القانون وانفاذ هذا القانون، ولنضع مليون خط تحت كلمتي "سيادة" و "انفاذ" القانون!

فالقانون بشكل مجرد ومكتوب لا يكفي أبدا لضمان حقوق الناس و حماية مصالحهم ومنح المجتمعات الأمن والأمان مالم يكن هناك احترام حقيقي لسيادة القانون وتطبيق فعلي له لا يستثني أحد ولا يحابي أو يجامل فئة على حساب فئة أخرى.

إن القانون في البلدان المتقدمة سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة أو كندا أو أستراليا يستمد قوته وفعاليته من كونه لا يفرق بين الناس ولا يتم تطبيقه بشكل مزاجي يخضع للتقلبات والأهواء والوساطات أو المحسوبيات. القانون في هذه البلدان صارم ويسري على الجميع بلا أدنى استثناء بدء من رأس السلطة وانتهاء بأصغر فرد في المجتمع. وهذا هو ما نفتقده بشدة في مجتمعاتنا العربية حيث القانون موجود فقط على الورق، أما تطبيقه وانفاذه فتلك مسألة أخرى تعتمد على عوامل عديدة ليس من بينها احقاق الحق أو إرساء العدالة. وكل فرد عاش أو يعيش في هذه المجتمعات يدرك جيدا هذه الحقيقة ولربما عانى هو نفسه من هذا الأمر. القانون عندنا يحتاج إلى "وساطة" للوصول إليه وإلى "وساطة" لتطبيقه! ما يوجد في مجتمعاتنا العربية للأسف هو قانون الغاب حيث الغلبة للأقوى ولصاحب النفوذ والتأثير والمال، أما الضعيف فلا يمكن أن يجد العدالة أو الانصاف في القانون بل على العكس يفاجئ بأن هذا القانون سيف مسلط على رقبته هو فقط لأنه الطرف الأضعف.

وفي الحوادث الرهيبة التي قد تتحول إلى قضايا تهم الشارع أو الرأي العام نجد عندها رئيس البلد أو الملك "يتكرم" ويوجه بأخذ الإجراءات اللازمة ومحاسبة الجاني! بينما لو كان هناك قانون وكانت هناك سلطات تنفيذية حقيقية تنفذ هذا القانون في هذه البلدان لقامت هذه الجهات بواجبها بغض النظر عن حجم الجريمة أو خلفية أطرافها أو ضحاياها و لما احتاج الأمر إلى توجيهات رئاسية أو ملكية!

إن سيادة القانون وانفاذه وتطبيقه على الجميع هي ما يجعل المحلات التجارية تستخدم واجهات زجاجية لإغلاق أبوابها، وهي ما يجعل المرأة أو الفتاة تسير في الشارع أو تستلقي على شاطئ البحر وهي أمنة على نفسها وكرامتها، وهي ما يجعل سائق الشاحنة أو السيارة يلتزم بقواعد المرور لأن القانون دائما هناك فوق الجميع لا يحابي أحد أو يفرق بين الناس عندما ترتكب الأخطاء أو تتجاوز الحدود.

إن سيادة القانون واحترامه هي ما يجعل ملك بريطانيا أو مستشار ألمانيا أو رئيس وزراء أستراليا لا يجرؤ على مس شعرة من رأس أي مواطن عادي بدون وجه حق أو بدون الاحتكام إلى القانون والقضاء، وبنفس المنظور إن ثقة المواطن في القانون والقضاء في هذه البلدان هي ما تجعله يعرف أن بإمكانه أن يشكو وأن يقاضي رأس السلطة نفسه ويأخذ حقه منه لو تعرض للظلم.

إن المشاكل والظلم والتعدي على الحقوق موجود في كل المجتمعات بلا استثناء، الفرق فقط هو أن هناك مجتمعات تطبق القانون وتفرضه على الجميع وهناك مجتمعات لا تطبق القانون إلا على الضعيف!

لذلك أعود وأقول أن ما نحتاج إليه في بلداننا ومجتمعاتنا كي نشعر بالأمن والأمان هو أن نُعلي من شأن القانون وأن يفرض هذا القانون هيبته وسلطانه على الجميع بلا استثناء ولا تمييز أو محاباة، هل يعني هذا أن المشاكل و الجرائم ستختفي حينها وأن السلام والعدل والرخاء سيعم الأرجاء؟ لا.. لكن عندما يطبق القانون على الجميع سيعيش الناس في أمان على الأقل لأنهم يعلمون أن القانون موجود هناك ليحميهم ويصون حقوقهم حين تُمس وليس العكس.. وإلى جانب سيادة القانون فإن مجتمعاتنا في أمس الحاجة أيضا إلى سلطة قضائية مستقلة وعادلة وهذا الأمر له أهمية شديدة جدا لا تقل عن أهمية سيادة القانون وهو ما سيكون موضوع المقال القادم بإذن الله..


April 9, 2023

هل العالم على شفا حرب نووية؟ و من سيضغط الزر أولا..؟

 

الصورة من موقع pixapay


أنيس الباشا

 

في قصيدته الشهيرة "نار وجليد"  Fire and Ice تحدث الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست عن نهاية العالم وهل ستكون بالنار أم بالجليد، وينحاز الشاعر في القصيدة إلى أولئك الذين يعتقدون أن فناء البشرية سيكون بالنار. ويبدو أن الأحداث الأخيرة الملتهبة التي يشهدها العالم تتجه نحو تحقيق ما تنبأ به الشاعر في قصيدته التي نشرها قبل مائة عام تقريبا!

 منذ بداية الحرب التي اشتعلت بين روسيا من جهة وبين أوكرانيا على الناحية الظاهرة وحلف الناتو من خلف الواجهة في فبراير من العام الماضي والأحداث تسير بوتيرة متسارعة ومتصاعدة تجعل الكثير من المتابعين والمحللين يميلون إلى السيناريوهات المتشائمة وعلى رأسها بالطبع السيناريو النووي.

لقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية أحداثا متسارعة تمثلت في قيام الولايات المتحدة بتزويد أوكرانيا بأسلحة "نوعية" وإعلان بريطانيا نيتها تسليم أوكرانيا قذائف مزودة باليورانيوم المنضب إلى جانب وصول شحنات من الدبابات الحديثة إلى أوكرانيا وعلى رأسها الدبابات الألمانية الشهيرة ليوبارد، وجاء الرد الروسي سريعا بالإعلان عن نشر أسلحة نووية "تكتيكية" في بيلاروسيا واشتعال لهيب المواجهات العسكرية بين الجيش الروسي ونظيره الأوكراني في باخموت وما سبق هذه الأحداث من "تطويق" أمريكي للصين تمثل في إقامة او استحداث قواعد عسكرية جديدة في الفلبين وتايوان وكوريا الجنوبية، وصولا إلى التوتر المتصاعد بين القوتين في بحر الصين الجنوبي الذي وصل ذروته حين حاولت إحدى المدمرات الأمريكية قبل أيام التوغل في المياه الإقليمية الصينية مما اضطر وزارة الدفاع الصينية إلى ابعادها وإصدار بيان رسمي يندد بهذه الاستفزازات الأمريكية.

في ضوء هذه التطورات لم يعد الحديث عن استخدام الأسلحة النووية مجرد مبالغات أو تخمينات بل أن السؤال الأساسي فيما يتعلق بهذه النقطة تحول من صيغة "هل يمكن؟" إلى "متى؟" وأصبح العالم يلتقط أنفاسه بتوجس مشوب بالهلع خوفا من اللحظة التي يقرر فيها أحد الأطراف المتصارعة الضغط على "الزر" النووي!

ولعل ما صرح به مؤخرا الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يصب في اتجاه هذا القلق حين قال إن الأمريكيين يحتاجون للصلاة بعد قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نشر أسلحة نووية في بيلاروسيا! وقبل تصريح ترامب بأيام كانت التصريحات التي صدرت عن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش عقب القرار الذي صدر عن محكمة الجنايات الدولية بحق الرئيس الروسي في قمة التشاؤم حيث حذر الرئيس الصربي من أن العالم يقترب من حرب عالمية ثالثة وأنه ليس هناك نهاية للجنون الذي يحدث والذي يشبه ما كان عليه الحال أبان الحربين العالميتين الأولى والثانية!

وللأسف مع مرور الوقت تتجه الأحداث إلى المزيد من التصعيد، فمنذ بداية المواجهة مع روسيا كانت الولايات المتحدة حريصة دائما على التأكيد أنها لن تزود أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى وذلك حرصا على تجنب المواجهة المباشرة مع روسيا، لكن الموقف الأمريكي تغير في هذه الناحية وها هي التقارير الروسية تؤكد أن أوكرانيا حصلت على الصواريخ النوعية من أمريكا إلى جانب أسلحة متطورة أخرى مثل طائرات إف 16. هذه الخطوات الأخيرة كسرت كل قواعد الاشتباك المُتعارف عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبدء ما عُرف بالحرب الباردة وصولا إلى الصراع الحالي بين روسيا والغرب. فمع مرور الوقت يمضي كل طرف في اتجاه التصعيد ولا تبدو في الأفق بوادر تسويات سلمية أو تنازلات أو سلالم تسمح للأطراف المتصارعة بالنزول من على شجرة الصراع والجلوس على طاولة المفاوضات

أما عن الحرب الأخرى التي تشنها كلا من الصين وورسيا لتقليص هيمنة ونفوذ الدولار الأمريكي فهي قضية مشتعلة للغاية وبالتأكيد لن تقف الولايات المتحدة موقف المتفرج من هذه الحرب ضد أخطر وأقوى أسلحة السيطرة لديها!

 وعلى صعيد الجبهات الداخلية في دول الغرب التي طالما عرفت الهدوء والاستقرار فالأمور ليست أقل توترا، فهناك موجة من الاحتجاجات والتظاهرات تشهدها بعض المدن والعواصم الأوروبية لأسباب مختلفة تتعلق بالغلاء والتضخم وانخفاض القدرة الشرائية ومشاكل في قطاعات التوظيف والصحة والتقاعد، ومعظم هذه القضايا هي انعكاسات وتوابع للحرب والصراع الحالي بين روسيا والغرب.

كل هذه المؤشرات تصب في اتجاه التصعيد وتُنبئ بمزيد من التدهور والاندفاع غير المسئول نحو الحافة. بالتأكيد لا أحد يتمنى فناء العالم، لكن القراءة المدققة للأحداث لا يمكنها استبعاد السيناريوهات المتشائمة، وفي النهاية يجب ألا ننسى أن من يمسكون بدفة وزمام الأمور هم بشر في النهاية تحركهم نوازع وأطماع ومخاوف بشرية بحتة، بالتالي لا يمكن استبعاد قرارات تهورية قد تنجم عن لحظة ضعف أو يأس بشري خصوصا حين يتعلق الأمر بمخاوف "وجودية". ونحن في عصر تكاثرت فيه الأزرار النووية بعد أن كانت حكرا على القوتين العظميين، فهناك زر نووي في الصين وآخر في كوريا الشمالية وزر نووي في إسرائيل وربما تشهد نهاية هذا العام ولادة زر نووي "إيراني"!

لقد أطلقت إسرائيل على مشروعها النووي حين بدأته اسم "ميكرع هاكول" بالعبرية ومعناها "قبل أن يضيع كل شيء" في إشارة إلى أن اسرائيل لن تستخدم هذا السلاح المدمر ضد العرب إلا عندما يُهدد وجودها بالفناء. وبالأمس فقط أعلنت روسيا رسميا أن الولايات المتحدة والغرب يشكلان تهديدا "وجوديا" للبلاد، فهل باتت لحظة الضغط على الزر النووي قريبة؟

في قصيدة فروست التي أشرت إليها في بداية المقال استخدم الشاعر النار كرمز للقوة المدمرة التي قد تُنجم عن النفس البشرية حين تمتلئ بالحقد والكراهية، والجليد كرمز للطبيعة البشرية الباردة الخالية من المشاعر والأحاسيس. لكن البشر تطوروا وطوروا معهم أسلحة الدمار والفناء، وهكذا قد تصدق نبوءة الشاعر ويتحدد مصير العالم بقرار بشري قد ينجم عن مشاعر "نارية" أو "جليدية" لكنه في كل الأحوال سيكون مدمرا بما فيه الكفاية مالم تحصل معجزة ما تتمكن من إذابة بعض طبقات الجليد المشتعل.


March 25, 2023

الاستجابة الألمانية لضحايا الزلازل في تركيا وسوريا.. بين الآمال الزائفة والحقائق المؤلمة

 



أنيس الباشا


لعل من أكبر المآسي التي شهدها العالم مؤخرا هو الكارثة التي حلت بالناس جراء الزلازل المدمرة التي ضربت مناطق متفرقة في جنوب تركيا وشمال سوريا وتجاوزت حصيلتها من القتلى عشرات الآلاف في كلا البلدين بينما يبلغ عدد المتضررون جراء هذه الكارثة بالملايين.

ومهما بلغت بلاغة الكلمات فلا يمكن لها أن تصف مدى بشاعة وقسوة هذه الكوارث وتداعياتها التي قد تستمر لمدة طويلة، وبعد إطلاق نداءات الاستغاثة سارعت الكثير من الدول بتقديم العزاء والمساعدة لتركيا وسوريا لكن المؤسف أن هذه المساعدات لم ترق إلى مستوى الكارثة التي كان يتوجب أن تحظى بدعم واهتمام دوليين على قدر ومستوى الحدث.

وقد استوقفني مؤخرا القرار الذي صدر عن وزارة الداخلية الألمانية حيث تم الإعلان عن إمكانية السماح لذوي المنكوبين من الزلزال أن يستضيفوا مؤقتا أقربائهم وفق "شروط محددة". وبحسب ما ورد عن وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر فأن الحكومة تعتزم السماح لضحايا الزلزال بدخول ألمانيا "بتأشيرات عادية تصدر بسرعة وتكون صالحة لثلاثة أشهر"، حسبما نقلت عنها صحيفة "بيلد آم زونتاغ". وتتيح هذه الآلية المبسّطة للمنكوبين "العثور على مأوى وتلقي علاج طبي" في ألمانيا. وأضافت الوزيرة "إنها مساعدة طارئة...نريد السماح لعائلات تركية وسورية في ألمانيا بأن تأتي بأقربائها من المنطقة المنكوبة من دون بيروقراطية".

وقد جاء هذا القرار استجابة لطلبات ومناشدات تقدم بها بعض أعضاء البرلمان الألماني "البوندستاج" وعدد من الجاليات والمنظمات الإنسانية على رأسها الجالية التركية في ألمانيا.

ولأن الشيطان يكمن في التفاصيل كما يُقال، وبحكم طبيعة عملي في تقديم الاستشارات والتوجيه للأشخاص ذوي الخلفيات المُهاجرة، توقفت كثيرا عند هذا القرار وحيثياته وآلياته، فمنذ بدأ الحديث عن هذا الموضوع بادر الكثيرون بالفعل إلى طلب المشورة والسؤال بلهفة وأمل عن كيفية مساعدة الأقارب المتضررون هناك. لكن المفاجأة المؤسفة هي أن هذا القرار ظاهره الرحمة وباطنه غير ذلك وهو على أرض الواقع لا يمثل لهؤلاء أي أمل ولا يقدم أي شيء ملموس في هذا الاتجاه!

ودعونا ندقق قليلا في تفاصيل وأبعاد هذا الإجراء، فبحسب ما ورد عن الجهات الألمانية المختصة، يجب أن يوقع من يتقدم بطلب لجلب أقاربه من الدرجتين الأولى والثانية على إقرار بالتكفل بمعيشتهم ونفقاتهم في ألمانيا، وهذا الإقرار بالمناسبة ساري المفعول لمدة خمس سنوات كاملة وهو الأمر الذي لم غفلت عن ذكره كل المواقع الإخبارية التي نشرت هذا الخبر، بالإضافة إلى أن هذا الإقرار لجلب أشخاص آخرين من خارج ألمانيا يمكن دائما عمله ـ تحت شروط معينةـ حتى لو لم تكن هناك كارثة إنسانية متعلقة به. و الشرط الآخر الذي تم ذكره هو أن على القادمين من المناطق المنكوبة التوقيع على تعهد بالعودة إلى ديارهم وعدم طلب اللجوء وكذلك لابد من تقديم جواز سفر ساري المفعول لمن يرغب في الحصول على التأشيرة.

وبالنظر إلى هذه الشروط "التعجيزية" فإن المرء يحق له أن يتساءل عن مدى جدية هذا الإجراء وهل جاء فعلا كاستجابة إنسانية عاجلة لهذه الكارثة؟ أم أن المسألة هي محاولة لإظهار التعاطف والدعم ولو بطريقة شكلية يُدرك صُناع القرار أنه لا يمكن تنفيذها بشكل عملي؟

إن أحد أكبر المعوقات التي يواجهها بلد متقدم صناعيا واقتصاديا مثل ألمانيا هي تفشي البيروقراطية بشكل كبير خصوصا في المؤسسات والدوائر الرسمية والحكومية وهي الحقيقة التي قد تصدم الكثيرين لكنها مسألة يعرفها ويتذمر منها الجميع سواء كانوا من أهل البلد أم من الوافدين عليه. ولأني على صلة مباشرة بهذه التعقيدات البيروقراطية خصوصا من خلال عملي فقد كنت آمل حين سمعت لأول مرة بهذا القرار أن يكون هناك توجه حقيقي لإزالة العقبات البيروقراطية ولو بشكل استثنائي خصوصا أنه وقبل صدور القرار بشكله الحالي كان هناك حديث عن ضرورة وجود حل "سريع" أو كما جاء على لسان متحدث باسم وزارة الداخلية الألمانية قبل صدور هذا القرار حين أكد أن وزارتي الخارجية والداخلية تتشاوران لإيجاد "حلول غير بيروقراطية قدر الإمكان". لكن قراءة الشروط التي أُرفقت بهذا القرار تؤكد العكس وأن الإجراءات المصاحبة لهذه العملية معقدة كالعادة ولن يتمكن الناس من الاستفادة منها على المدى القريب.

أما بالنسبة للشروط الأخرى، فإن اشتراط التكفل بنفقات وإقامة الأقارب الذين يرغب المرء في دعوتهم للمجيء يُعقد المسألة ويجعلها شبه مستحيلة ، فهناك عشرات الآلاف من المهاجرين الذين يعيشون بالفعل ألمانيا و لم يتمكنوا بعد من الحصول على عمل لأسباب مختلفة يطول شرحها لكن يكفي أن نذكر أن التعقيدات "البيروقراطية" وبطء الاستجابة من السلطات المسئولة أحد أهم هذه الأسباب، وحتى من يعملون ويعيلون أنفسهم فإن التكفل بنفقات الإقامة والعلاج و المعيشة لمن سيستضيفونهم من أقاربهم مسألة صعبة للغاية في بلد مرتفع التكاليف كألمانيا وخصوصا بعد التضخم والغلاء الذي شهدته البلد مؤخرا وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء بشكل غير مسبوق!

لو كان الدافع من هذا القرار هو المساعدة في مواجهة هذه الكارثة لما كانت هناك حاجة لإلزام الناس بهذا الشرط التعجيزي، والسلطات في ألمانيا تُدرك جيدا أن تداعيات أزمة كورونا مُضافا إليها حرب أوكرانيا قد عصفت بالاقتصاد و بالمستوى المعيشي لعشرات الملايين من الناس في ألمانيا وتسببت في موجة من التضخم لم تعرفها البلد منذ عقود، ومنذ بداية أزمة كورونا وإلى الآن تم تسجيل افلاس وإغلاق مئات الشركات والمصانع وتضاعفت نسبة البطالة، فكيف يُتوقع بعد كل هذا أن يتمكن المقيمون الذين لديهم أقارب في تركيا أو في سوريا من التكفل بنفقاتهم ولمدة خمس سنوات كاملة؟ وبالنسبة للمتضررين من هذه الكارثة كيف يمكن لهم اثبات القدرة المالية على الإنفاق في الوقت الذي فقدوا فيه أصلا كل شيء!

لو كان الموضوع يتعلق باستجابة "إنسانية" عاجلة لتم على الأقل تعديل مدة الالتزام هذه وجعلها في أضيق الحدود أو حتى حصرها في نطاق رمزي حتى يتمكن الناس بالفعل من الاستفادة من هذا الإجراء وجلب أقاربهم المتضررين من تلك الكارثة إلى ألمانيا. والجزئية الأخرى التي تم اغفالها في هذا الجانب أيضا هي أن التكفل بالنفقات لا ينحصر في أمور العلاج والغذاء فقط بل يتعلق أيضا بالمساحة المخصصة للسكن والقانون الألماني في هذا الشأن صارم حيث يجب أن تكون هناك مساحة كافية "مُحددة بالأمتار" وذلك حسب عدد الأشخاص الذين يتشاركون العيش معا تحت سقف واحد خصوصا أولئك الذين يقطنون في شقق سكنية أو بيوت محدودة المساحة، وهو ما يُشكل عقبة أخرى أمام من يرغبون في الاستفادة من هذا الإجراء.

ثم نأتي إلى موضوع جواز السفر الذي لا يزال يُمثل مشكلة جوهرية في تطبيق هذا الإجراء، فوجود جواز السفر شرط للحصول على تأشيرة، فقد أكد متحدث باسم الخارجية الألمانية على أهمية وجود جواز سفر لدى المتضررين وأن عدم وجود جواز سفر يمثل مشكلة بالتأكيد، وهذا بدوره يعني عبئا إضافيا ومزيدا من التعقيدات لأولئك الذين فقدوا بالفعل مقتنياتهم وأوراقهم ووثائقهم جراء الكارثة.

هناك حاليا في ألمانيا عشرات الآلاف من المهاجرين من بلدان مثل أفغانستان وسوريا والعراق الذين تركوا بلدانهم ولجئوا إلى ألمانيا قبل سنوات قليلة، ولايزال الكثيرون منهم يعانون من أجل موضوع لم الشمل مع عائلاتهم وأقاربهم من الدرجة الأولى بسبب البيروقراطية والتعقيدات القانونية، ويبدو أن الحال لن يختلف كثيرا مع هذه "الاستجابة" الحكومية من جانب الحكومة الألمانية والتي أُريد لها "نظريا" أن تخفف من معاناة الناس المتضررين في تركيا وسوريا لكنها عمليا لا تعني سوى أمل زائف سيتلاشى ويتحطم على صخور البيروقراطية الصماء التي لا تعنيها الكوارث ولا تأبه بالنكبات!